الدمشقيون الجدد و ثقافة العيب الاصيلة

19 ديسمبر

يفخر الدمشقيون بانتماءهم الى الشام. انتبه الشام ليست اسما لبلاد تمتد في رقعة واسعة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط. الشام هي تلك الحواري التي تتحدد بسور دمشق القديم وابوابه السبعة.

الدمشقيون لم يحفظوا بنيان هذا السور ولكنهم يحفظونه عرفاً كفرق اساسي بين الشوام و المستشومين.  عندما يسألك أحدهم من أين انت. اجابتك انني من الشام لا تكفي بل لا يزيدها اخبارك بأين تسكن. عليك ان تخبره بالخانة المكتوبة خلف بطاقتك الشخصية. ولأجل هذه الاهمية البالغة. يُكتب كتعريف بي  في مقالة -ويكيبيديا ستايل – اني ولدت في حي الشاغور.

Screen Shot 2012-12-19 at 09.58.21

ماذا ؟؟؟؟ انا ولدت في حي الشاغور؟؟؟؟؟ نعم أهلي ولدوا هناك.  ولكني لا أعرف ذلك الحي فلا بيت لجد هناك و لا قريب يزار.

ممم يبدو أني اتجاهل …. ليست معرفتي تلك الجدران المهدمة ما يعرّف محيطي. أنها تلك الثقافة العريقة التي حافظت على نفسها مسوّرة عبر كل تلك الأزمنة.

يبدو انه لا مناص من أن أعترف لكم بها…. نعم هذا هو محيطي.

وها أنا سأعترف وأعرفكم بأحدى فنونه… فن التعييب.

يتقن الدمشقيون فن التعييب وببراعة عالية ينقلون لك خبرا عاديا بصغية يا عيبو. قد تكون بسيطا ولا تعرف ما العيب في ذلك ولكن من الأفضل أن تكون فهميا و تعيب معهم. تلك النغمة التي تجعل من معلومة عادية عارأ يجب ان تتناقله بين الاخرين بحذر شديد أن يسمعه صاحب ذلك الفعل الشائن.

نعم أعرف تحتاجون امثلة. سأحاول أن أركز وأرسم بكلماتي ذلك المشهد.

في نهاية عام ٢٠٠٢ و في شقة فاخرة في مدينة نصر في القاهرة. محسبوتكم جالسة تفكر كيف ستنصر على جيش الصراصير في المطبخ الذي خرج مؤخرا قائلا ” هاهـــء خلي البفباف تنفعكم “. تناديني البنات الجالسات في الغرفة المجاورة تعال تكلمي على الهاتف. ادخل فأرى الكل يزور و الكل ينظر لي شزرا. و الفتاة التي تناولني السماعة تنفجر غضبا لتقول لي شيئا ولكن غضبها تحول الى بكاء منعها من الكلام…نعم الفتاة على الهاتف قالت لها: تعيش معكم في المنزل ولا تخبركم !!!!!

ولي…. شو عاملة !!!!!! انا لاحظت اليوم ان الطالبات السوريات في الجامعة   يزورونني ولم أفهم ؟؟؟ شو في ؟؟؟

طبعا وكعادة الدمشقيين. لن يدعوك تعرف ما الأمر قبل أن ينتشر عند كل من يعرفك و من لا يعرفك.

اه واخيرا … تمكنت من معرفة ذنبي…

استعدوا للمفاجئة.

نــــــــدى عندها حساب على الانترنت…. ليتني اسجل  ذلك اللحن التي تقال به هذه الجملة و التي تختصر لك كل تأمل في معناها الى القرار الذي عليك أن تدركه و تعلن معهم يا عيبو.

طبعا البسطاء أمثالي لا يفهمون ما العيب في هذا ولا يؤثر عليهم ذلك العدد المهول من المعيبين. وتسأل طويلا قبل أن تلتقي ذلك الحكيم الذي سيفسر لها موطن العيب.

القصة بدأت عندما سألت فتاة مصرية تدوام و عندها حساب ايميل عن ايميلها. وطلبت منها ارسال ما يمكنها مشاركته من المحاضرات معنا. و أن هذا اسرع من طرق البريد التقليدي الذي يقوم عليها التقليديون مدراء المعهد. ويبدو أن السامعة فوتت جزء من الحوار وظنت فعل الطلب هو فعل ماض غير ناقص. وأني احصل على المحاضرات و استأثر بها لنفسي ولا أخبر أحدا. كم أنا لئيمة 🙂  طبعا لن يدعوك تعرف بما يقولونه حتى  تخبرهم بأنك لم تحصل على أي ايميل. لن يفسد الناس على انفسهم متعة اكتشاف حقيقتي التي طالما تمنوها.

عشر سنين تمضي (نهايات ٢٠١٢ ) ويبقى الدمشقيون على حالهم. ولكن هذه المرة مع تكنولوجيا الشبكات الاجتماعية. اراسل الشباب للتسنيق فلا يردون. تسكنني هواجز امنية ولا اعرف كيف اتأكد. فارسل ايميلات محتواها يهدف للتأكد أنها ليست اي من  أشياء اخرى.  لا جواب.. فتزداد شكوكي أن أنباء خالتنا هم من يفتحون الايميلات و أن هناك تهما توضب من محتويات تلك الرسائل. تتقلبني الشكوك و تجعلني أفترض اي شيء و اتكلم فيه مع احتمال أن أولاد الخالة يقرؤون.

و في صباح يوم. تحظر المجموعات على الفيس بوك تتبعها المواقع….. لا لا لا يمكنني أن أسكت مهما كان السبب. هذا خطر. أنا لا استطيع مع الحظر أن اعرف ماذا يجري فكيف سأعرف السبب.

ثم استكشف بنفس طريقة عام ٢٠٠٢ يخبر الجميع بشيء لا يسمح لهم بالبوح به لي. يسـتأمن كل الناس أن لا تعرف ندى السبب. و أكثر من عشرة يلتزمون  تلك الزورة الالكترونية ” المقاطعة”.

ألم اقل لكم … هذه دمشق وهذه ثقافتنا الرائعة تنتقل الى الفضاء الالكتروني ببراعة.

الحائط.. نعم الحائط. هذا ابتكار اتى الينا من ثقافة الغرب ويستهجنه الدمشقيون : لماذا الكتابة على الحائط و الفضائح…. يا عيب الشوم. لم نتوقع منك هذا. يقولونه ويتمنون لو استطاعوا نسف ذلك الحائط.

نعم في عام ٢٠٠٢ لم يكن هناك حائط. ولكني لم أكن في بلد أخر. كنت في غرفة اخرى فقط.

والحق يقال أن الشبكات الاجتماعية و وسائل الاتصالات لم تساعد الشوام كثيرا في ” ممارسات التعييب” . فقد اعتمدوا على اجتماعات دارت على مدى اسبوعين. أنا أعرف السبب. قد ذكرته في هذه التدوينة… أنه عدم قدرتنا على نقل تلك النغمة تبع  التعييب من خلال الكيبورد… يجب أن تسمعها باذنك وترى تلك النظرات. انه مشهد كامل لا يمكنك نقله في ايميل.

و طبعا بعد طول السؤال يأتي ذلك الحكيم ليسرب لك السبب.

الانسة نـــــــــدى استفادت شخصيا من أعمال التطوع التي أسستها!!!!!

أسست مجموعة هاويات التقنية و أخذت منحة دكتوراه لأجل ذلك….

لا داعي أن اكتب لكم عبارات … يا للؤم .. يا للسفالة.. هذه كلها يمكن أن تنقل باللحن كما قلت لكم.

في الثقافات الاخرى تنقل هذه المعلومة بلحن اخر. لحن يهدف الى تحفيز الجميع للعمل المجتمعي الذي قد يكافئ بأن يقدم لك دعم علمي يجعلك توسع اطار عملك المجتمعي في المستقبل.

أما أنا فأنقلها على انها قصة ايمانية.. عندما تقدم شيئا فإن الله سيكافئك بالامداد.. نعم سألتي زميلة أمس الاول كيف حصلت على المنحة فقلت لها هذه قصة ايمانية أحب أن أخبر بها.

ولكن هل فعلا أنا اخذت المنحة بسبب تأسيسي هاويات التقنية. لا أحد يستطيع الجزم بأنها لم تؤثر. ولكن أصحاب القرار اخبروني أنهم اعتمدوا في قرارهم على ذلك اليوتبوب الذي لم ارفعه بنفسي ولم اكن من ترجمه الى الانكليزية. نعم هذا الفيديو يقول الكثير. دعيت للمشاركة في هذا الملتقى لترشيحي الذي اعتمد على عملي في ويكيسيريا.

وهذا اللقاء حفز في رأسي افكار كثير… نعم تلك التي اصفها في الفيديو أنها لم تنتضج بعد.
و التي عندما نضجت أخرجت مشروع فتيات التقنية في دمشق.
أنا قبل هذا الملتقى لم اكن اعرف كلمة  Geek بمعناها الايجابي ولا بالرابط بين العمل التقني و العمل النسوي. وكوني كنت اعيش تجارب هيمنة ذكورية وجدت الملاذ في انشاء هكذا مشروع.
بالمناسبة أنا أيضا تعرفت في هذا الملتقى على كلمة Techie  والتي اثمرت فيما بعد اطلاقي تسمية  WikiTechie على الشخصية  التي ترتدي قبعة العمل و تقدم خدمات تقنية للويكي. تلك القبعات التي ارى الشباب يضعونها على حساباتهم عند تجريب الشبكة الاجتماعية التي يقومون بتطويرها. و عندما ادعى للتجريب معهم اضع تلك القبعة. اعترافا مني أني لم ادقر الكود.

طبعا الدمشقيون لن يدعوك تخبرهم بهذا.. طبعا ليس قبل أن يتهامسوا طويلا دون أن تدري.

هذه التدوينة وتدوينات اخرى اكتبها وانا بعيدة مكانيا في بريطانيا و بعيدة اون لاين بعد شهر من الحظر في المجموعات التي كنت اقضي يومي اكتب فيها ولها.

بالمناسبة الدمشقيون ليسوا كلهم شوام. بعضهم قد اتى من بلدات مجاورة ولكن يكفي أن تعيش في دمشق حتى تعيّش هذه الثقافة.

تمضي الاجيال و تبقى دمشق على عادتها… نعيب ما ليس عيبا  ونتعايش مع العيوب الحقيقية.

نعم أنا دمشقية وهذا محيطي.

الإعلانات

3 تعليقات to “الدمشقيون الجدد و ثقافة العيب الاصيلة”

  1. diaakabbani ديسمبر 23, 2012 في 12:30 ص #

    للأسف الفكرة حقيقية وواقعية.. أرجو الله أن يهدينا لما فيه الخير والصواب ولو بعد ظلمنا لأنفسنا..

    إعجاب

  2. Abu Al3iz ديسمبر 30, 2012 في 6:51 ص #

    الأسف الشديد … ضحكت من هول ما ذكرتي هنا … إلا أنني استطيع أن أجزم ان هذا الطبع ليس حكراً على أهل دمشق فقط، أو الشوام كما كتبتي، برأيي إنه مزيج من الحسد والغيرة وقلة الحيلة تجاه نجاح الغير.

    إعجاب

Trackbacks/Pingbacks

  1. التكنولوجيا : فاسق بارع أم تبين مبتكر « مدونة نـــــــــــدى البني - يناير 5, 2013

    […] المنشور على هذه الصفحة. وطبعا دون أن يخبروني بعتبهم قبل أن يدري جميع اهل الشام بالتهمة و ياعيبو شو هالاستغلال لجهود […]

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: